مرتضى مطهري ( تعريب : هادي اليوسفي )
65
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه )
الأعمال البدنية والحركات الظاهرية التي تتبدى بصورة محسوسة من اللسان وسائر أعضاء البدن في الإنسان . هذا هو نوع من التصور الجاهل للعبادة عند العوام ، وهو - كما يقول ابن سينا في النمط التاسع من كتابه ( الإشارات ) - ناشى ء عن عدم المعرفة باللهّ ، وإنما تقبل عبادة بهذا التصور عن عوام الناس القاصرين فقط . والتصور الآخر عن العبادة هو تصور العارفين باللهّ . وفي هذا التصور لا يوجد عامل وصاحب عمل وأجرة كما بين العمال وأصحاب العمل ، بل لا يمكن أن يوجد . بل العبادة - عند هؤلاء - قربان الإنسان ومعراجه وتعاليه وصعوده إلى مشارق أنوار الوجود ، وهي تربية روحية ورياضة للقوى الإنسانية ، وهي ساحة انتصار الروح على البدن ، وأسمى مظاهر شكر الإنسان لمبدى ء الخلقة ومعيدها ، وهي مظهر حب الإنسان للكامل المطلق والجميل على الإطلاق ، وهي مسيرة الإنسانية إلى الكمال اللانهائي . وفي هذا التصور عن العبادة نجد أن للعبادة جسما وروحا ، ظاهرا ومعنى ، فما يتحقق منها باللسان وسائر الأعضاء هو ظاهر العبادة وجسمها ، وأما معنى العبادة وروحها فهو شيء آخر ، وهو يرتبط بما يفهمه العابد عن عبادته ، وبنوعية تصوره عن العبادة ، وبالباعث له على العبادة ، وبما يحظى به من عمل العبادة ، وبما يتقدم به من العبادة إلى اللّه ، ويتقرب بها إليه . العبادة في نهج البلاغة فما هي صورة العبادة في نهج البلاغة إن صورة العبادة في نهج البلاغة من نوع عبادة العارفين باللهّ تعالى ، بل نقول : إن منبع الإلهام لتصور العارفين باللهّ من العبادة في الإسلام - بعد القرآن الكريم وسنة رسول اللّه ( ص ) - هو كلام الإمام ( ع ) . إن إحدى أوجه الأدب الإسلامي - سواء العربي أو الفارسي - هو أدب الدعاء ، والأفكار الدقيقة واللطيفة التي توجد في هذا الموضوع مما يثير العجب ويبعث على الاستحسان .